جاء خطاب العطا، أمس الأحد، أمام مجموعات من القوات في الخرطوم، بينما تشهد الولايتان بعضاً من أسوأ فصول الكارثة الإنسانية، من القصف الجوي وهجمات المسيرات إلى النزوح والجوع وانهيار المستشفيات والأسواق ومصادر المياه والكهرباء.
وقال العطا إن تدمير منشآت الكهرباء والمياه والبنية الأساسية لن يثني الجيش عن مواصلة القتال. كما حاول نفي أن تكون العمليات المقبلة موجهة ضد قبائل أو مجتمعات بعينها، مؤكداً عدم وجود نية للانتقام.
غير أن الطمأنة اللفظية لا تكفي أمام سجل ثقيل من الضحايا المدنيين والقصف الممنهج للمدنيين في تلك المناطق، ولا تعفي قيادة الجيش من تقديم ضمانات عملية بشأن حماية السكان في مناطق العمليات المرتقبة.
الحرب أولاً.. والسودانيون لاحقاً
تكشف تصريحات العطا أن قيادة الجيش لا تزال تنظر إلى الأزمة من زاوية الحسم العسكري، رغم عجز أكثر من 3 سنوات من القتال عن إنتاج نصر ينهي الحرب أو يعيد الدولة. وفي المقابل، أنتج هذا الخيار بلداً ممزقاً، وملايين النازحين، ومجاعة تتسع، وخدمات أساسية تقترب من الانهيار.
وخلال الأسابيع الثلاثة الأولى من أكتوبر وحده، وثقت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل 306 أشخاص وإصابة المئات من المدنيين في هجمات بالمسيّرات نُسبت إلى طرفي الحرب. وطالت الضربات منازل وأسواقاً ومستشفيات وملاجئ للنازحين ومحطات كهرباء ومصادر مياه.
والأشد دلالة أن المفوضية نسبت إلى الجيش ضربات على مواقع تؤوي نازحين في غبيش والنهود بغرب كردفان بين 6 و10 أكتوبر، أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات من المدنيين، بينهم نساء وأطفال. كما حذرت من أن المسيّرات أصبحت مسؤولة عن غالبية الوفيات المدنية المرتبطة بالنزاع خلال العام الجاري.
هذه الأرقام تجعل حديث العطا عن مواصلة العمليات في كردفان ودارفور أكثر خطورة. فالمنطقتان تضمان تجمعات ضخمة للنازحين، ومدناً محاصرة، ومجتمعات فقدت الغذاء والرعاية الطبية، وأصبحت أي موجة جديدة من القتال تهددها بمزيد من القتل والنزوح.
وعندما يقول قائد عسكري إن تدمير البنية الأساسية لن يثنيه عن القتال، فإنه يضع الانتصار العسكري والسياسي فوق حياة السكان الذين يحتاجون إلى هذه المنشآت للبقاء. فالكهرباء ليست مجرد مرفق خدمي؛ إنها شرط لتشغيل المستشفيات وغرف العمليات ومراكز غسيل الكلى وبنوك الدم ومحطات المياه والمخابز ومضخات الري الزراعي.
وقد انخفض إنتاج الكهرباء في السودان من نحو 4400 ميغاواط قبل الحرب إلى قرابة 1100 ميغاواط، مهددة هي الأخرى بالتوقف، ما يعيد السودان إلى "عصور اكتشاف النار"، بحسب مهندس في إدارة الكهرباء تحدث لـ"سكاي نيوز عربية".
وقال إن الشبكة أصبحت تعتمد على عدد محدود من مصادر التوليد، بعد استهداف 15 محطة منذ مطلع أكتوبر.
كما حذرت جهات طبية من أن الانقطاعات تهدد الأدوية واللقاحات والمرضى الذين يعتمدون على أجهزة لا تعمل من دون الكهرباء.
وقال الناشط والكاتب نجم الدين دريسة لـ"سكاي نيوز عربية" إن "ياسر العطا كذّاب أشر، وأحد مجرمي هذه الحرب. فبدلاً من أن يعمل، أمام المأساة الماثلة في السودان من جوع وموت ونزوح وانهيار للخدمات وتدمير لمرافق الحياة، على وقف الحرب وإنقاذ ما تبقى من البلاد، لا يزال يحرّض على استمرارها وعلى استهداف المجتمعات نفسها التي يزعم اليوم، كذباً، أنه لا يحاربها".
وأضاف دريسة: "أوضح دليل على كذب العطا واستهداف أبناء هذه المجتمعات أنهم يُحرمون حتى من استخراج الأوراق الثبوتية داخل السودان وخارجه؛ لأنهم، في نظر البرهان والعطا وسلطتهما المرتبطة بالحركة الإسلامية، أعداء ودخلاء وغير سودانيين، تجب مطاردتهم وإقصاؤهم. وهذا السلوك يكشف أن خطاب الحرب تجاوز المواجهة العسكرية إلى مشروع تمييز واضطهاد قائم على الهوية، يهدد وجود هذه المجتمعات وحقوقها الأساسية".
طمأنة تخفي غدراً
حرص العطا على القول إن الحرب ليست ضد مجتمعات دارفور وكردفان، لكن القلق لا يتعلق بالتصريحات وحدها، بل بطبيعة القوات التي ستخوض العمليات، وقواعد الاشتباك، والمسيّرات والأسلحة المستخدمة، وآليات التحقيق في سقوط المدنيين.
فالمناطق التي يتحدث الجيش عن التقدم إليها شهدت هجمات على أسواق وقرى ومركبات نقل ومواقع نزوح وتعدين ومرافق صحية. ومن دون رقابة مستقلة وتحقيقات شفافة، ستبقى تعهدات حماية المدنيين أقرب إلى خطاب سياسي لا يوفر حماية حقيقية على الأرض.
كما أن الحديث عن عدم الانتقام تفضحه ممارسات وتصريحات وأوامر عسكرية لا تزال تُنفذ على الأرض، وتقوم على العقاب الجماعي والاستهداف على أساس الهوية أو الاشتباه السياسي، وتقصف وتدمر أسواقاً كاملة، وتقتل المئات من المدنيين لمجرد الاشتباه، كما حدث مؤخراً في سوق تنقونج بمدينة نيالا في جنوب دارفور، وسوق النعام في منطقة أبيي المتنازع عليها مع جنوب السودان، من دون التقيد بقواعد القانون الدولي الإنساني.
وقال الناشط من جنوب كردفان والمنتمي إلى قبيلة المسيرية، حسين حريكة، لـ"سكاي نيوز عربية" إن "أكبر المحرّضين على القتل على أسس إثنية وعرقية هو ياسر العطا نفسه؛ فالحرب في دارفور وكردفان قامت على التحريض ضد مجتمعات غرب السودان، وتصوير بعض مكوناتها باعتبارها دخيلة على البلاد، أو عرب شتات قدموا من تشاد والنيجر ومالي ونيجيريا".
وأضاف حريكة: "يكذب العطا حين يزعم أن الحرب ليست موجهة ضد هذه المجتمعات؛ فهو يريد استخدامها وقوداً للحرب، ودفع أبنائها إلى قتل أهلهم، بينما يواصل الجيش التحريض عليهم واستهداف مناطقهم".
وتابع: "العطا، بمشاركة البرهان والكتائب الإسلامية والتشكيلات الجهوية المتحالفة معهما، مسؤول عن قصف الأعيان المدنية في دارفور وكردفان. لقد قصفوا قرانا والأسواق ومواقع النزوح والمركبات المدنية، وقتلوا ولا يزالون يقتلون المدنيين البسطاء من أهلنا".
وختم حريكة: "ياسر العطا هذا نفسه، إلى جانب البرهان، أحد المسؤولين الذين ينبغي التحقيق معهم دولياً في جريمة استخدام الأسلحة الكيميائية ضد أهلنا في كردفان ودارفور".
الإسلاميون وحرب العودة إلى السلطة
لا يمكن فصل خطاب استمرار الحرب عن تنامي نفوذ الجماعات الإسلامية المسلحة داخل معسكر الجيش. فقد وثقت تقارير دولية اعتماد القوات المسلحة بصورة متزايدة على تشكيلات إسلامية، أبرزها كتيبة البراء بن مالك، التي لعبت دوراً مهماً في عمليات الجيش، مع احتفاظها بهيكلها التنظيمي ومقاومتها الاندماج الكامل في المؤسسة العسكرية.
وأُعلن، أمس الأحد، مقتل محمد النّو، القيادي البارز في كتيبة البراء بن مالك، في هجوم بمسيّرة منسوبة إلى قوات الدعم السريع استهدف مقر جهاز المخابرات العامة بمدينة الدبة في الولاية الشمالية. ويثير وجود قيادات من الكتيبة داخل مقر أمني رسمي تساؤلات بشأن عمق ارتباط التشكيلات الإسلامية بالجيش وأجهزة سلطة بورتسودان، ودورها في قيادة الحرب.
وكشفت تحقيقات دولية سابقة أن الحركة الإسلامية، التي أُقصيت من السلطة بعد ثورة 2019، دعمت ولا تزال تدعم الجيش بالمقاتلين والشبكات التنظيمية، بينما تحدث بعض قادتها عن العودة السياسية بعد الحرب.
وهنا تكمن خطورة خطاب العطا؛ فاستمرار الحرب لا يحقق أهدافاً عسكرية معلنة فحسب، بل يمنح الجماعات الإسلامية زمناً إضافياً لتثبيت وجودها داخل أجهزة الدولة، وتوسيع شبكاتها المسلحة، وإعادة تقديم نفسها باعتبارها شريكاً في مستقبل الحكم.
الحسم الذي يهدم الدولة
بعد سنوات من الحرب، لم يعد السؤال ما إذا كان الجيش يستطيع التقدم إلى مدينة أو استعادة طريق، بل ماذا سيبقى من السودان عند نهاية هذا المسار. فالدولة لا تُستعاد بتدمير مدنها، ولا تُحمى سيادتها بتجويع سكانها، ولا يُقاس النصر بعدد الأراضي المستعادة إذا كانت خالية من أهلها ومحرومة من الماء والكهرباء والدواء.
خطاب ياسر العطا لا يقدم للسودانيين طريقاً لوقف القتل، بل وعداً بجولة أطول من الحرب. وبينما تتحدث قيادة الجيش عن الحسم، يدفع المدنيون ثمن هذا الخيار من حياتهم وأمنهم وغذائهم ومستقبل أطفالهم.
أما القوى الإسلامية التي وجدت في الحرب طريقاً للعودة إلى المشهد، فإن مصلحتها في استمرار القتال تتقاطع مع رفض الجيش للهدن والتسوية، ما يثير التساؤل: لمصلحة من يعمل العطا؟
وهكذا ترجع الحرب إلى حقيقتها الأولى؛ من مواجهة عسكرية إلى مشروع سلطة، ويصبح المدنيون السودانيون وقوداً لمعركة لا تحمي الدولة، بل تهدم ما تبقى منها.
جاء خطاب العطا، أمس الأحد، أمام مجموعات من القوات في الخرطوم، بينما تشهد الولايتان بعضاً من أسوأ فصول الكارثة الإنسانية، من القصف الجوي وهجمات المسيرات إلى النزوح والجوع وانهيار المستشفيات والأسواق ومصادر المياه والكهرباء.
وقال العطا إن تدمير منشآت الكهرباء والمياه والبنية الأساسية لن يثني الجيش عن مواصلة القتال. كما حاول نفي أن تكون العمليات المقبلة موجهة ضد قبائل أو مجتمعات بعينها، مؤكداً عدم وجود نية للانتقام.
غير أن الطمأنة اللفظية لا تكفي أمام سجل ثقيل من الضحايا المدنيين والقصف الممنهج للمدنيين في تلك المناطق، ولا تعفي قيادة الجيش من تقديم ضمانات عملية بشأن حماية السكان في مناطق العمليات المرتقبة.
الحرب أولاً.. والسودانيون لاحقاً
تكشف تصريحات العطا أن قيادة الجيش لا تزال تنظر إلى الأزمة من زاوية الحسم العسكري، رغم عجز أكثر من 3 سنوات من القتال عن إنتاج نصر ينهي الحرب أو يعيد الدولة. وفي المقابل، أنتج هذا الخيار بلداً ممزقاً، وملايين النازحين، ومجاعة تتسع، وخدمات أساسية تقترب من الانهيار.
وخلال الأسابيع الثلاثة الأولى من أكتوبر وحده، وثقت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل 306 أشخاص وإصابة المئات من المدنيين في هجمات بالمسيّرات نُسبت إلى طرفي الحرب. وطالت الضربات منازل وأسواقاً ومستشفيات وملاجئ للنازحين ومحطات كهرباء ومصادر مياه.
والأشد دلالة أن المفوضية نسبت إلى الجيش ضربات على مواقع تؤوي نازحين في غبيش والنهود بغرب كردفان بين 6 و10 أكتوبر، أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات من المدنيين، بينهم نساء وأطفال. كما حذرت من أن المسيّرات أصبحت مسؤولة عن غالبية الوفيات المدنية المرتبطة بالنزاع خلال العام الجاري.
هذه الأرقام تجعل حديث العطا عن مواصلة العمليات في كردفان ودارفور أكثر خطورة. فالمنطقتان تضمان تجمعات ضخمة للنازحين، ومدناً محاصرة، ومجتمعات فقدت الغذاء والرعاية الطبية، وأصبحت أي موجة جديدة من القتال تهددها بمزيد من القتل والنزوح.
وعندما يقول قائد عسكري إن تدمير البنية الأساسية لن يثنيه عن القتال، فإنه يضع الانتصار العسكري والسياسي فوق حياة السكان الذين يحتاجون إلى هذه المنشآت للبقاء. فالكهرباء ليست مجرد مرفق خدمي؛ إنها شرط لتشغيل المستشفيات وغرف العمليات ومراكز غسيل الكلى وبنوك الدم ومحطات المياه والمخابز ومضخات الري الزراعي.
وقد انخفض إنتاج الكهرباء في السودان من نحو 4400 ميغاواط قبل الحرب إلى قرابة 1100 ميغاواط، مهددة هي الأخرى بالتوقف، ما يعيد السودان إلى "عصور اكتشاف النار"، بحسب مهندس في إدارة الكهرباء تحدث لـ"سكاي نيوز عربية".
وقال إن الشبكة أصبحت تعتمد على عدد محدود من مصادر التوليد، بعد استهداف 15 محطة منذ مطلع أكتوبر.
كما حذرت جهات طبية من أن الانقطاعات تهدد الأدوية واللقاحات والمرضى الذين يعتمدون على أجهزة لا تعمل من دون الكهرباء.
وقال الناشط والكاتب نجم الدين دريسة لـ"سكاي نيوز عربية" إن "ياسر العطا كذّاب أشر، وأحد مجرمي هذه الحرب. فبدلاً من أن يعمل، أمام المأساة الماثلة في السودان من جوع وموت ونزوح وانهيار للخدمات وتدمير لمرافق الحياة، على وقف الحرب وإنقاذ ما تبقى من البلاد، لا يزال يحرّض على استمرارها وعلى استهداف المجتمعات نفسها التي يزعم اليوم، كذباً، أنه لا يحاربها".
وأضاف دريسة: "أوضح دليل على كذب العطا واستهداف أبناء هذه المجتمعات أنهم يُحرمون حتى من استخراج الأوراق الثبوتية داخل السودان وخارجه؛ لأنهم، في نظر البرهان والعطا وسلطتهما المرتبطة بالحركة الإسلامية، أعداء ودخلاء وغير سودانيين، تجب مطاردتهم وإقصاؤهم. وهذا السلوك يكشف أن خطاب الحرب تجاوز المواجهة العسكرية إلى مشروع تمييز واضطهاد قائم على الهوية، يهدد وجود هذه المجتمعات وحقوقها الأساسية".
طمأنة تخفي غدراً
حرص العطا على القول إن الحرب ليست ضد مجتمعات دارفور وكردفان، لكن القلق لا يتعلق بالتصريحات وحدها، بل بطبيعة القوات التي ستخوض العمليات، وقواعد الاشتباك، والمسيّرات والأسلحة المستخدمة، وآليات التحقيق في سقوط المدنيين.
فالمناطق التي يتحدث الجيش عن التقدم إليها شهدت هجمات على أسواق وقرى ومركبات نقل ومواقع نزوح وتعدين ومرافق صحية. ومن دون رقابة مستقلة وتحقيقات شفافة، ستبقى تعهدات حماية المدنيين أقرب إلى خطاب سياسي لا يوفر حماية حقيقية على الأرض.
كما أن الحديث عن عدم الانتقام تفضحه ممارسات وتصريحات وأوامر عسكرية لا تزال تُنفذ على الأرض، وتقوم على العقاب الجماعي والاستهداف على أساس الهوية أو الاشتباه السياسي، وتقصف وتدمر أسواقاً كاملة، وتقتل المئات من المدنيين لمجرد الاشتباه، كما حدث مؤخراً في سوق تنقونج بمدينة نيالا في جنوب دارفور، وسوق النعام في منطقة أبيي المتنازع عليها مع جنوب السودان، من دون التقيد بقواعد القانون الدولي الإنساني.
وقال الناشط من جنوب كردفان والمنتمي إلى قبيلة المسيرية، حسين حريكة، لـ"سكاي نيوز عربية" إن "أكبر المحرّضين على القتل على أسس إثنية وعرقية هو ياسر العطا نفسه؛ فالحرب في دارفور وكردفان قامت على التحريض ضد مجتمعات غرب السودان، وتصوير بعض مكوناتها باعتبارها دخيلة على البلاد، أو عرب شتات قدموا من تشاد والنيجر ومالي ونيجيريا".
وأضاف حريكة: "يكذب العطا حين يزعم أن الحرب ليست موجهة ضد هذه المجتمعات؛ فهو يريد استخدامها وقوداً للحرب، ودفع أبنائها إلى قتل أهلهم، بينما يواصل الجيش التحريض عليهم واستهداف مناطقهم".
وتابع: "العطا، بمشاركة البرهان والكتائب الإسلامية والتشكيلات الجهوية المتحالفة معهما، مسؤول عن قصف الأعيان المدنية في دارفور وكردفان. لقد قصفوا قرانا والأسواق ومواقع النزوح والمركبات المدنية، وقتلوا ولا يزالون يقتلون المدنيين البسطاء من أهلنا".
وختم حريكة: "ياسر العطا هذا نفسه، إلى جانب البرهان، أحد المسؤولين الذين ينبغي التحقيق معهم دولياً في جريمة استخدام الأسلحة الكيميائية ضد أهلنا في كردفان ودارفور".
الإسلاميون وحرب العودة إلى السلطة
لا يمكن فصل خطاب استمرار الحرب عن تنامي نفوذ الجماعات الإسلامية المسلحة داخل معسكر الجيش. فقد وثقت تقارير دولية اعتماد القوات المسلحة بصورة متزايدة على تشكيلات إسلامية، أبرزها كتيبة البراء بن مالك، التي لعبت دوراً مهماً في عمليات الجيش، مع احتفاظها بهيكلها التنظيمي ومقاومتها الاندماج الكامل في المؤسسة العسكرية.
وأُعلن، أمس الأحد، مقتل محمد النّو، القيادي البارز في كتيبة البراء بن مالك، في هجوم بمسيّرة منسوبة إلى قوات الدعم السريع استهدف مقر جهاز المخابرات العامة بمدينة الدبة في الولاية الشمالية. ويثير وجود قيادات من الكتيبة داخل مقر أمني رسمي تساؤلات بشأن عمق ارتباط التشكيلات الإسلامية بالجيش وأجهزة سلطة بورتسودان، ودورها في قيادة الحرب.
وكشفت تحقيقات دولية سابقة أن الحركة الإسلامية، التي أُقصيت من السلطة بعد ثورة 2019، دعمت ولا تزال تدعم الجيش بالمقاتلين والشبكات التنظيمية، بينما تحدث بعض قادتها عن العودة السياسية بعد الحرب.
وهنا تكمن خطورة خطاب العطا؛ فاستمرار الحرب لا يحقق أهدافاً عسكرية معلنة فحسب، بل يمنح الجماعات الإسلامية زمناً إضافياً لتثبيت وجودها داخل أجهزة الدولة، وتوسيع شبكاتها المسلحة، وإعادة تقديم نفسها باعتبارها شريكاً في مستقبل الحكم.
الحسم الذي يهدم الدولة
بعد سنوات من الحرب، لم يعد السؤال ما إذا كان الجيش يستطيع التقدم إلى مدينة أو استعادة طريق، بل ماذا سيبقى من السودان عند نهاية هذا المسار. فالدولة لا تُستعاد بتدمير مدنها، ولا تُحمى سيادتها بتجويع سكانها، ولا يُقاس النصر بعدد الأراضي المستعادة إذا كانت خالية من أهلها ومحرومة من الماء والكهرباء والدواء.
خطاب ياسر العطا لا يقدم للسودانيين طريقاً لوقف القتل، بل وعداً بجولة أطول من الحرب. وبينما تتحدث قيادة الجيش عن الحسم، يدفع المدنيون ثمن هذا الخيار من حياتهم وأمنهم وغذائهم ومستقبل أطفالهم.
أما القوى الإسلامية التي وجدت في الحرب طريقاً للعودة إلى المشهد، فإن مصلحتها في استمرار القتال تتقاطع مع رفض الجيش للهدن والتسوية، ما يثير التساؤل: لمصلحة من يعمل العطا؟
وهكذا ترجع الحرب إلى حقيقتها الأولى؛ من مواجهة عسكرية إلى مشروع سلطة، ويصبح المدنيون السودانيون وقوداً لمعركة لا تحمي الدولة، بل تهدم ما تبقى منها.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر