في الخرطوم، قفزت أسعار الخبز إلى مستويات تفوق قدرة كثير من الأسر، في ظل نقص الطحين وارتفاع تكاليف الإنتاج وانقطاع الكهرباء والوقود.
وأمام إغلاق مزيد من المخابز وارتفاع الأسعار، اضطرت أسر سودانية إلى تقليص استهلاكها من الخبز، فيما باتت عائلات أخرى تعتمد على المطابخ الخيرية لتأمين وجباتها اليومية.
وخلال أسبوع واحد، ارتفع سعر الرغيف في الخرطوم من 250 إلى 500 جنيه سوداني، بينما لا تزال البلاد تواجه أزمة غذائية واسعة النطاق، مع معاناة نحو 20 مليون شخص من انعدام حاد في الأمن الغذائي.
وأصبح تقليص استهلاك الخبز واقعاً يفرض نفسه على موائد السودانيين.
وبحسب ما نقلت وكالة "فرانس برس"، تقول عبير محمد، التي اشترت الخبز من أحد المخابز القليلة التي لا تزال تعمل في العاصمة، إن أسرتها كانت تتناوله في مختلف وجبات اليوم، لكنها لم تعد قادرة على تحمل تكلفته.
أما سوسن محمود (44 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال، فتقول للوكالة إن أسرتها باتت تخصص مجموع راتبيها لشراء الخبز، مضيفة: "الوضع أصبح لا يحتمل. خفضنا كمية الخبز التي نتناولها وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط".
وتوضح أنها تحتاج إلى نحو 900 ألف جنيه سوداني شهرياً (88 دولاراً) لتأمين الخبز، وهو مبلغ يعادل تقريباً مجموع راتبيها وراتب زوجها.
أزمة القمح تضغط على المخابز والأسر السودانية
تتفاقم الأزمة بسبب اعتماد السودان على استيراد معظم احتياجاته من القمح، ما يجعل أسعار الخبز شديدة التأثر بتراجع قيمة العملة المحلية.
وخلال الشهر الماضي، فقد الجنيه السوداني نحو ربع قيمته أمام الدولار، الذي تجاوز سعره 10500 جنيه في ذروة التراجع، قبل أن يستقر عند نحو 10200 جنيه يوم الأربعاء. وللمقارنة، كان الدولار يعادل 500 جنيه قبل اندلاع الحرب.
وفي المخابز التي لا تزال تعمل، يواجه أصحابها صعوبات في تأمين المواد الأولية. ويقول محمد الفاتح، صاحب أحد المخابز في الخرطوم، إن نقص الطحين دفع عدداً كبيراً من المخابز إلى الإغلاق، مشيراً إلى أن الحصول على الكميات المطلوبة قد يستغرق يومين من الانتظار في مراكز التوزيع دون ضمان العودة بإمدادات.
وتكشف أسعار اللحوم بدورها عن حجم التراجع في القدرة الشرائية للسودانيين. ففي أحد أسواق أم درمان، يقول الموردي عوض لوكالة فرانس برس إن سعر كيلوغرام اللحم يتراوح حالياً بين 50 و70 ألف جنيه سوداني، ما دفع الأسر إلى خفض الكميات التي تشتريها.
ويشير عوض إلى أن المبلغ الذي كان يتيح للعائلة شراء كيلوغرامين من اللحم لم يعد يكفي سوى لشراء نحو 125 غراماً، في وقت تتقلص فيه الخيارات الغذائية أمام السودانيين مع استمرار ارتفاع أسعار السلع وتراجع قيمة العملة المحلية.
وتشهد الخرطوم ومناطق في شرق السودان انقطاعات واسعة للكهرباء، عقب هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت محطات كهرباء في نهاية الشهر الماضي وأخرجتها من الخدمة.
المطابخ الخيرية تعود إلى الواجهة
مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الغذائية، عاد سكان في الخرطوم إلى الاصطفاف أمام المطابخ المجتمعية المعروفة باسم "التكايا"، طلباً لوجبات مجانية، بعدما توقفت أعداد منها عن العمل إثر سيطرة الجيش على العاصمة وإخراج قوات الدعم السريع منها في مارس/آذار 2025.
وحذّرت غرفة طوارئ أمبدة في أم درمان من اتساع دائرة الأسر التي تحتاج إلى المساعدات، في ظل شح المواد الغذائية وارتفاع الأسعار، مشيرة إلى أن الحصول على وجبة يومية واحدة بات أمراً بالغ الصعوبة لآلاف الأسر والنازحين.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن معدلاته بلغت 80 في المئة.
وفي المقابل، أعلنت الحكومة أنها تستهدف خفض التضخم إلى أقل من 60 في المئة بنهاية عام 2026، بعدما سجل 99 في المئة خلال العام الماضي.
نقص الوقود يعطّل الإمدادات ويهدد بتفاقم الجوع
خارج العاصمة، تتعقد أزمة الغذاء بسبب صعوبة نقل الإمدادات الإنسانية، إذ يعتمد جزء كبير من المناطق على القمح الذي يصل في إطار المساعدات، لكن نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إلى جانب إغلاق الطرق بسبب المعارك، تعرقل وصول هذه الإمدادات إلى مستحقيها.
ومنذ اندلاع الحرب، انقسمت البلاد إلى مناطق نفوذ متباعدة، إذ يسيطر الجيش على الخرطوم ومناطق واسعة في الوسط والشرق، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على إقليم دارفور وأجزاء من الجنوب.
وفي ظل استمرار القتال، يواجه أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور ظروف مجاعة، وفق تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، حذّرت كذلك من احتمال امتدادها إلى ثماني مدن بحلول عام 2027.
ويضيف تراجع العملة المحلية عبئاً آخر على تأمين الوقود، الذي تستورد البلاد معظم احتياجاتها منه.
وتظهر تداعيات ذلك في طوابير الانتظار الطويلة أمام محطات البنزين، حيث يقول الموظف الحكومي ياسر محمد إنه أمضى ساعات أمام إحدى المحطات في الخرطوم دون أن يتمكن من الحصول على الوقود، ما اضطره إلى التغيب عن عمله.
وفي تحذير جديد من حجم الأزمة، أفاد بيان وقّعه وزراء خارجية أوروبيون وكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس الأسبوع الماضي، بأن أكثر من 19 مليون شخص، أي نحو 41 في المئة من السكان، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم خمسة ملايين يعيشون أوضاعاً طارئة.
واندلعت الحرب في أبريل/نيسان 2023، وتسببت في تدمير أحياء ومرافق صحية وشبكات خدمات، وتعطيل النشاط الاقتصادي في مناطق واسعة.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر