بلا أدنى شك، كما أن للجريمة عقابا، معجلا أو مؤجلا، فإن لكل فعل رد فعل، معادلا له في القوة ومعاكسا له في الاتجاه. هذا قانون فيزيائي معروف. غير أن الحسابات، غالبا ما تخطئ وتصيب، فالخطاؤون في غالب الأوقات، لا يعترفون بأخطائهم ولا يتحمّلون عواقب حساباتهم، وقليل منهم “التوابون”، الذين يُقرّون بسوء الحساب وخطأ التقدير ويتحمّلون أوزار أعمالهم، إما بالاستقالة أو الاعتراف بالذنب وطلب الصفح. هذا لا يحدث إلا نادرا، ولكن التاريخ يحمل أسماء رهيبة من هؤلاء ممن لم يتحملوا سوء أعمالهم وأوصلوا أنفسهم وبلدانهم والبشرية جمعاء أحيانا، إلى مشارف الإبادة والفناء، ولنا في الحرب العالمية الثانية عبرة لمن يعتبر، وفي كل الحروب العالمية الكبرى من قبل… ومن بعد: التاريخ لا يتوقف عن إعطاء الدروس الخصوصية، ولو بعد حين من الدهر.
جريمة غزة لن تُنسى، ولن تُقبر القبور المنسية، ولن يبقى الجرم بلا عقاب، والدنيا “دوّارة”، ويوم لك وأيام عليك، وتلك الأيام نداولها بين الناس. هكذا، يعلِّمنا التاريخ والناموس الكوني الذي يتحكم فينا وفي أدوارنا ودورات حياتنا وتنفُّسنا وشهيقنا ونبضات قلوبنا، ودوران أفلاكنا، وتسبيح الذرات في الجُسيم الصغير كما في الجرم الكبير من الأجرام السماوية، ذات الامتدادات غير المتناهية في الكبر، كما تلك الأجرام الصغيرة البرية والبحرية، المتناهية في الصغر، الكل محكوم بقانون واحد: الدوران والتسبيح، وجزاء واحد: الجزاء من جنس العمل.
غزة التي أبيدت، لن تبيد أبدا، بل ستبقى بُرعما يخرج من أعماق التربة المحروقة، عنقاء تخرج من تحت الرماد، بشكل أو بآخر، لكنها لن تندثر ولن تموت، طالما هناك طفلٌ واحد حي، وضمير ينبض في قلب كل عربي ومسلم وإنسان. القانون الإنساني فينا لن يمرر كل الأمور، والأدوات البشرية لا تلهيها الأدوات الربانية عن إقرار قانون “الجزاء من جنس العمل”، مهما طال الزمن وتغير.
قبل ثلاثِ سنوات، حدث ما لم يحدث من قبل، وزُلزل الكيان المحتل زلزالا شديدا، وهبّ إلى ترميم سمعته وصورة جيش “الأكثر أخلاقية” في قلة الأخلاق، عبر تدمير غزة وإبادة شعبها، بمباركة عالمية أولا، أمريكية أساسا. سُمِّي الحدث “طوفانَ الأقصى”، وكان القصد منه أن تلتهم أحداثه كل الإحداثيات الجغرافية بالمنطقة، فهم صاحب السجل الحافل بالجرم المشهود عليه دوليا وإنسانيا، أن وجودية كيانه مهدَّدة في الصميم، وأن عليه أن ينتقل إلى التدمير الشامل: يقتل الجيل القادم والحاضر ضمانا لبقاء، ولوجود، هم من ينكرونه أصلا في كل أدبياتهم الدينية.
الجارُّ، قام بجرّ الولايات المتحدة بخبث ومكر، إلى ساحة الجريمة، ضمانا لأمنه، بإشراك “القويّ المتين” في جرم عالمي، وشد عضده بأخيه، لكي لا يكون للغزّيّ صوتٌ ولا شهيق ولا أرض ولا زفير.
أدخِل البيت الأبيض في سجل السباق السياسي، ووجد نفسه في حرب مع إيران، وجها لوجه، حرب هزت أركان البيت الأربعة، لكنها لم تتصدع بالكامل، غير أن الانتخابات النصفية، زلزلت الصفائح التكتونية الجمهورية التي يقف عليها الرئيس، وزُلزل زلزالا شديدا. النتيجة، أن حرب إيران كانت السبب، بحسب الرئيس ونائبه، لكن البقية، حتى من الجمهوريين، يرون الأصل أكثر وضوحا: الانخراط في حرب غزة، وتصديق نتنياهو والمشي خلفه، هو ما جرَّ الولايات المتحدة إلى مستنقع هرمز، وعاصفة الأزمات العالمية المتلاحقة في أوروبا وفي قلب أمريكا. النفط، الديزل، ارتفاع الأسعار، كلها نتائج لجريمة كبيرة منكَرة، هي جريمة “الجارّ” و”المجرور” في حرب على شعب محتل ومقهور، وبالمحصلة، سوء الحساب، لن يجلب إلا سوء العاقبة… والعقاب.
التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر