في الوقت الذي تبدو المؤشرات المناخية والطبيعية مواتية لتحقيق بداية مثالية لموسم فلاحي جديد، يرى كثير من الفلاحين في أقاليم الشمال أن ثمة تحديات وصعوبات معقدة جعلتهم يفكرون في العدول عن الانخراط في الزراعة هذا العام، خاصة في حوض اللوكوس والمناطق المتضررة من الفيضانات.

ووفق معطيات ميدانية استقتها جريدة هسبريس الإلكترونية من مصادر محلية في مدينة القصر الكبير والجماعات القروية المجاورة لها، فإن عمليات الحرث وقلب الأراضي الفلاحية في المنطقة تسير هذا العام بـ”وتيرة بطيئة” تدعو إلى الريبة والشك.

وأرجع فلاحون هذا الوضع “غير المسبوق” إلى ارتفاع أسعار المحروقات التي تجاوزت 17 درهما، ما انعكس سلبا على تكاليف الحرث وكراء الجرارات، بعدما ارتفع ثمن الساعة من الحرث إلى 200 درهم، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ المنطقة.

وتبرز هذه المعطيات جزءا من معاناة الفلاحين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة أزمة حقيقية نتيجة الارتفاع المتواصل في تكاليف الإنتاج؛ إذ قال محمد الدامون، وهو فلاح معروف بضواحي القصر الكبير، إن الجرار في عملية الحرث يستهلك 8 لترات من المحروقات في الساعة، وبالنظر إلى سعر اللتر الواحد الذي تخطى 17 درهما، فإن تكلفة تشغيله تصل إلى 136 درهما في الساعة، معتبرا أن ذلك يشكل “عبئا ماليا كبيرا على الفلاح”.

وأوضح الدامون، في حديث مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن أسعار بيع المنتجات الفلاحية، سواء تعلق الأمر بالقمح أو الشمندر السكري أو الحمص أو غيرها من المنتجات، “لا تتناسب مع تكاليف الإنتاج المرتفعة؛ وأصبح الفلاح يجد نفسه عاجزا عن تحقيق هامش ربح يضمن له الاستمرار في نشاطه”.

وشدد الفلاح ذاته على أن تدخل الدولة لدعم الفلاح أصبح “ضروريا مثلما تدعم قطاعات أخرى، كالنقل العمومي”، مؤكدا أن الفلاحة “قطاع استراتيجي، يشكل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني، باعتباره منتجا وممولا للسوق بالمواد الغذائية الأساسية”.

وانتقد الدامون “الغياب شبه التام للفلاح عن أولويات الحكومة وبرامجها، وكأن القطاع لم يعد يحظى بالاهتمام اللازم”، معتبرا أن التوجه المتزايد نحو استيراد المنتجات الفلاحية من الخارج، مثل الحبوب، والحمص والعدس والفاصولياء الجافة وغيرها من القطاني، واللحوم، يساهم في تعميق معاناة “الفلاح المغربي من ارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب الدعم الكافي”.

وأشار المتحدث إلى أن تجليات الأزمة وتوقف الفلاحين عن النشاط بدت واضحة من خلال أزمة كراء الأراضي الفلاحية، التي باتت وتيرتها ضعيفة جدا، مرجعا ذلك إلى الأزمة المالية التي تطوق جل الفلاحين.

من جهته، اعتبر عبد السلام البياري، رئيس غرفة الفلاحة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، أن وضعية الفلاح الصغير صعبة وتحتاج إلى التفاتة حقيقية، مؤكدا أن فئات واسعة تظل عاجزة أمام ارتفاع كلفة الحرث.

وقال البياري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إن ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة “يضغط على الفلاحين في بداية الموسم الحالي”، مبرزا أن أصحاب الجرارات يطالبون الفلاحين بحوالي 250 درهما للساعة في الحرث، بعدما كان السعر لا يتعدى 150 درهما في السابق.

واعتبر أن هذا الوضع “سيدفع العديد من الفلاحين إلى العدول عن حرث وزرع الأراضي التي يملكونها في غياب الدعم”، لافتا إلى أنّ هذا الكلام يروج بقوة بين أعضاء الغرفة.

وأشار رئيس غرفة الفلاحة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة إلى أنّ الفلاحين يطالبون بتخصيص دعم لفائدة قطاع الفلاحة لمواجهة الارتفاع الكبير الذي تسجله أسعار المحروقات في السوق الوطنية، معتبرا أن حجم استهلاك المحروقات في القطاع لا يقل أهمية عن نظيره المستهلك في نقل البضائع والمسافرين.