مواقف تربوية معاصرة

 بقلم : علي بن جابر شامي

تقييم المستخدمون: 4.3 ( 1 أصوات)

 

كان حريصاً على التبكير إلى مدرسته من اليوم اﻷول ، لأنه اعتاد على ترتيب التزاماته اليومية منذ مرحلة الطلب ، إلا أن بعض زملائه كانوا على خلاف ذلك ، وكان مدير المدرسة مهموما بأمر أُولئك رغم قلتهم ، حيث أعياه تأخرهم المتكرر عن الحضور المبكر، و أوجد له إشكالاً في الإدارة الإقليمية.. وما زال يعمل تفكيره للحد من هذه المشكلة ، حتى خطر بباله : ( أن يلزم المتأخر من المعلمين بتسبيب تأخره في سِجِل الدوام مهما كان تأخره ضئيلاً) ، فلعل ذلك يكون إلى العلاج سبيلا ، لكن ذلك سَبَّبَ لهم حرجا ، و رأوا في تنفيذه إجراءً غير ذي سند . وذات يوم جلس المدير يرقب عن قرب حركة توافُدِ المعلمين من اللحظات الأولى للدوام ، و يرصد بناظريه أعذار المتأخرين في سِجِل الدوام ، وكانت لا تخرج عن مبررات مستهلكة وغير مقنعة، لكنها تنبئ عن مواقف خفية، وربما معاناة مؤلمة لم يشأ أصحابها البوحَ بها على صفحات السجلات .

وفي هذه الأثناء قَدِم المعلم (أبو عبد المجيد) وهو ممن ألِفوا التبكير ، و يأنس إليهم المدير ، وله حظوة وتقدير ، لكنه اليوم حضر متأخرا وعُد في عِداد المتأخرين، وكان ذلك لظرف ٍ لم يستطع له دفعاً، ولم يجد له حلاً ، و مضى أبو عبد المجيد نحو سِجل الدوام بهدوئه المعتاد .. ثم أزاح كُمَ ثوبِه ونظر إلى ساعته على معصمه و سَجل وقت حضوره كما هو في تلك اللحظة ولم ينقص ولم يزد ، كان المدير يتابع من هناك حركة القلم في يمين أبي عبدالمجيد و توقع من خلالها أنه لم يُدَوِّن شيئاً في حقل الملاحظات .. فطفح الغضب على وجه المدير و تورمت أوداجه من شدة الغيظ والزفير، و رأى في ذلك تجاوزاً لتوجيهه في هذا الشأن، وكاد أن ينفجر بعبارات التهديد والوعيد ..لكنه تذكر أن توجيهه لا يعدو أن يكون اجتهاداً، و أنه أبو عبد المجيد، فجَنحَ في آخر لحظة .. للهدوء و الحكمة ، ثم أقبل على أبي عبدالمجيد يلاطفه ويستحثه على تدوين ما يمكن تدوينه في حقل (الملاحظات) حتى يستقيم الوضع العام . نظر أبو عبدالمجيد إلي مدير مدرسته نظرة احترام وتقدير وأخذ بيده وترافقا إلى مكتبه الأنيق ، وهناك حضرت قهوة الصباح وأخواتها من حبات التمر وغيرها ، وبحضورها خفت حدة التأزم و التوتر إلى حد ما ، فيما انهمك الوكلاء والمساعدون في متابعة حركة منسوبي المدرسة وفق اختصاص كل واحد منهم .أدرك أبو عبد المجيد أن الفرصة قد سنحت للحوار حول تلك الفكرة و بيان ما يدور بخاطره حولها فلعله يوفق في إسداء نصح مفيد لسعادة المدير، و رفع الحرج عن زملائه المعلمين ، و حدد على الفور هدفاً واحداً لذلك الحوار : أن يُكَوِّن لدي المدير القناعةَ بالعدول عن الفكرة ،أو تعديلها على أقل تقدير ، ثم أقبل على جليسه العزيز، وقال بنبرةٍ فيها من صدق النصح و وضوح الهدف و رفعة الأدب ما لا يخفى على أحد : أستاذي أعرف جيداً حرصك وجهدك في سبيل تميز مدرستنا، كما استشعر عِظم الأمانة التي تحملها ، غير أن هناك جانبا آخر جدير بإعادة النظر والمراجعة وهو : لماذا نَحْملُ الناسَ على ما يكرهون و نضطرهم إلى كشف ظروفهم وأسرار حياتهم أمام العيون ؟ مما يضطرهم إلى مجاراتك بأعذار ليست كما هي ، وإنما نزولا عند رغبتك ، ولعل ذلك لم يغب عن فطنتك وشريف نظرك.

أستاذي : إن من أهم أسس رسالتنا الشريفة الأمانة، و من أهم أسس الأمانة الصدق، فلنعينهم على الصدق ونعاونهم عليه ، ثم إن في الأنظمة الرسمية في هذا الشأن ما يغني عن الإجتهاد المحفوف بالزلل ، كما إن في أفق الإبداع وجودة العمل مايثري فنون الإدارة ويرفع الضرر .. وفي خضم ذلك أطرق المدير بفكره قليلا ، وكأن الحديث قد وجد إلى نفسه طريقا .. ثم قال: أبشر ..أبشر ..ولكن ..ألهذا لم تُدَوِّن سببَ تأخرك ، ولو تلميحاً؟ – أجل .. لأنني لا أريد أن يكون ذلك في سجل عام ، ولا يُمْكنني أن أتذرع بما لم يكن، والله يقول ..ثم أعاد أبوعبد المجيد ترتيب جلسته و قرأ بصوت مسموع : ( أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ  ) الآية ، وعلى الفور قرر مدير المدرسة إعادة النظر في معالجته للمشكلة ،إﻻ أن المعلمين أنفسهم لم يمكنوه مما نوى به ،إذ اعتبروا ذلك فرصة لصفحة جديدة في حياتهم الوظيفية، فعقدوا العزم من تلك اللحظة على التغيير و فاجأوا الجميع في اليوم التالي بالتبكير ، وغدا ذلك دأبهم بعون الله وتوفيقه إلى أن تفرقت بهم دروب الحياة .
تذاكرنا أحداث هذه القصة مع أخينا المحبوب الشيخ محمد بن علي بن محمد شامي ( أبو عبد المجيد ) شفاه الله وعافاه أثناء زيارتنا له مؤخرا في المستشفى بالرياض مع جماعة من أصدقائه ومحبيه ، وكان قد طُلبَ منه أيام عمله في التعليم قبل نحو ثﻻثين عاما مضت ذلك الإجراءُ فرأى
أنه لايتسق مع النظام ،وحاول التلطف مع المسؤول حتى تم إقناعه بالعدول عن ذلك الإجراء، مما كان له اﻷثر اﻹيحابي المباشر على بقية زمﻻئه . إلى نهاية القصة المذكورة . شارك في الزيارة اﻷساتذة :حسن بن علي شامي ، كمال بن جابر شامي ، منصور بن محمد شامي ،حسين بن محمد سك ، عادل بن محمد سك ، وبحضور :الشيخ هادي بن محمد شامي، و أوﻻد الشيخ محمد : عبدالمجيد وعاصم وعبدالرحمن واحمد .وكاتب هذه السطور : علي بن جابر شامي . والله الموفق .

15-5-1441
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق